المنجي بوسنينة
82
موسوعة أعلام العلماء والأدباء العرب والمسلمين
الشيخ حمد بن عتيق ، فقد قرأ عليه الحديث والفقه ومصطلح الحديث ، وقد استفاد من ملازمته كثيرا ، كما أخذ العربية عن الشيخ العلامة اللغوي البارع ، حمد بن فارس فقد قرأ عليه ألفية ابن مالك وشرحها ، وغيرها من كتب النحو ، والصرف ، والأجرومية والملحة والقطر . وشيخه في الفرائض عبد الله بن راشد بن جلعود بعدما نزل الرياض واستوطنها ، فقرأ عليه ألفية الفرائض وشرحها ، والعقيدة وعلومها . وهكذا نرى الشيخ محمد بن إبراهيم يوزع وقته بين علماء الرياض الذين كانت تزخر بهم ذلك الوقت ، ليأخذ عن كل واحد مجال تخصصه ، حتى تبحّر فيها جميعا . وأعانه الله على ذلك بقدرة عجيبة على الحفظ وعدم النسيان لما حفظ . وذلك أن المستفيض عن الشيخ محمد ، أنه كان كثير الدأب على المطالعة في مختلف الكتب وتدريسها ، فكان هذا مصدرا ثانيا نمّى حصيلته العلمية ، ومكّن توسيع أفقه ، ما جبلت عليه نفسه منذ حداثته ، فقد وهبه الله ذكاء حادا وذاكرة قوية في الحفظ ، مع رجاحة العقل وبعد نظر . وقد أجمع كل من كتب عن الشيخ محمد ، على أنه أخذ عن مشاهير العلماء في نجد ، وأن مثابرته وفطنته أهّلتاه إلى النبوغ مبكرا ، والتهيّؤ بما أخذ من علم ، وما منحه الله من حلم وعقل لمناصب علمية كبيرة . جرت العادة بين العلماء ، ألا يتصدّر حلقات العلم ، ولا يجلس للطلاب يقرأون عليه ويأخذون عنه ، إلا من تشبع بالعلم ، وأدرك من العلماء ما يخوله لذلك ، فإن الشيخ عبد الله بن عبد اللطيف عالم الرياض ، قد أدرك من ابن أخيه محمد بن إبراهيم ، علائم الذكاء ، وسيماء النجابة ، في وقت مبكر ، فزكاه عند الملك عبد العزيز من جوانب عديدة أهمها : الوقار والحلم وبعد النظر . ولما توفي الشيخ عبد الله في عام 1339 ه ، أدرك الملك عبد العزيز ، أن الشيخ محمد بن إبراهيم كفؤ لما يسند إليه من أعمال ، وأنه بموجب ذلك جدير بأن يكون خليفة لعمه عبد الله من بعده ، في إمامة المسجد بدخنة والتدريس ، وحل ما يعرض عليه من مشكلات . وتناقل المدركون وما روي عنهم : أن الملك عبد العزيز تحدث مع العلماء والمشايخ عند قبر الشيخ عبد الله في وداعه الأخير قائلا : الله يخلف على المسلمين بمن فيه السداد ، اليوم دفنا العلم والورع من ترون يحل مكانه ، فسكتوا . ثم قال : إن صدق ظني فلا أجد أحدا يقوم مقامه إلا هذا الكفيف ، ولو أنه أصغركم بعلمه وعمله ، وعقله ونظرته للأمور . قم يا شيخ محمد تراك محل عمك في جميع أموره من اليوم ، الله يجعل فيك بركة ، صلّ بمسجده وأجلس للطلبة يقرأون عليك ، فهم في حاجة لمثلك . فوالى نشاطه في الفتيا والتدريس والخطابة ، وخصص للطلبة أوقاتا : بعد صلاة الفجر إلى الضحى ، وبعد الظهر ساعة ، وبعد العصر وبعد المغرب مثلها . . وانضم إلى حلقته طلبة لا حصر لهم ، ووفد إليه طلاب العلم من كل صوب . وظلّ في تدريسه حوالي نصف قرن ، ولم تصدّه الأعمال الكثيرة الموكولة إليه من نفع الناس في التعليم ، وتخرج عليه علماء عاملون ، نفع الله بهم ، ما بين أساتذة ومدرسين وقضاة وغيرهم .